أربعة عوامل وراء نجاح دولة الإمارات في مواجهة التحديات

أربعة عوامل وراء نجاح دولة الإمارات في مواجهة التحديات

مجيد حميد جعفر، عضو مجلس الإدارة

The National

قبل أربعين عاماً مضت، اجتمعت كلمة سبع إمارات على تأسيس دولة اتحادية،  شكَّكت معظم دول المنطقة والعالم لأسباب وجيهة، بفرص نجاحها وقدرتها على البقاء. إذ إنه نظراً لانسحاب بريطانيا والحماية التي كانت توفرها ووجود نزاعات حدودية بعض الدول المجاورة، كل هذه العوامل تضافرت لتهدد بقاء هذه الدولة الوليدة.

ولم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة تمتلك في ذلك الوقت أية قاعدة اقتصادية تذكر، ولم تتوفر فيها سوى مستويات بدائية من الرعاية الصحية والتعليم، وحتى أن الحدود الداخلية بين إماراتها الأعضاء لم تكن مرسومة بشكل واضح بعد. كما أن التاريخ لم يكن يقف إلى جانبها، حيث أن العرب لم يعرفوا الوحدة منذ تفكك الخلافة العباسية، وفشلت المحاولتان الوحدويتان الرئيسيتان في التاريخ المعاصر بين كل من مصر وسوريا من جهة وبين العراق والأردن من جهة أخرى.

إلا أنه بعد مرور أربعة عقود على تأسيسها، أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة واحة للسلام والرخاء والتقدم في منطقة حافلة بالاضطرابات، وبات اقتصادها الثاني عربياً والأكثر تنوعاً بين اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، ونجحت في بناء أفضل بنية تحتية في العالم العربي وأصبحت تستقطب أفضل وألمع الكفاءات من المنطقة والعالم، وتتمتع بعلاقات خارجية ممتازة وباتت محط إعجاب وتقدير جميع دول المنطقة والعالم أجمع. لكن كيف حققت هذه الدولة الفتية  هذه الانجازات التي تشبه المعجزة في هذه الفترة القصيرة قياسياً من الزمن، وكيف تغلبت على جميع المخاطر والتحديات رغم النزاعات المشتعلة في المنطقة على مدى عقود من الزمن؟ ويتمثل الجواب في أربعة عوامل رئيسية تقف وراء هذا النجاح.

ويتمثل العامل الأول والأهم في هذا النجاح غير المسبوق في تمتع الدولة بنعمة القيادة المستنيرة. إذ أن الحديث عن تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة لا يكتمل من دون الإشادة بحكمة وبعد نظر الآباء المؤسسين، وهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أول رئيس للدولة، والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، أول نائب لرئيس الدولة، وأشقائهما أعضاء المجلس الأعلى، حكام الإمارات آنذاك. فقد أرست هذه القيادة الفريدة أسساً قوية لدولة الاتحاد من خلال اعتماد دستور أقام إدارة حكومية لامركزية وعالية الكفاءة واقتصاد حر، في وقت لم تكن فيه هذه المفاهيم شائعة في الغرب، ناهيكم عن العالم العربي. وواصل الجيل الجديد من قادة الدولة اتباع هذا النهج وتطوير إنجازاته، لتسريع تنمية الدولة في جميع المجالات.

وتمثل العامل الثاني والذي لا يقل أهمية عن الأول، في الطبيعة المتميزة لشعب الإمارات الذي كان أحد الأسباب الرئيسية لنجاح الدولة. إذ أن المواطنين الإماراتيين يتميزون بدماثة الأخلاق وروح الضيافة والكرم والتمسُّك بتراث وتقاليد الآباء والأجداد وتقبُّل الشعوب الأخرى وثقافاتها، يحبون السلام والرخاء ويمقتون النزاعات الداخلية والخارجية على حد سواء.

وأتاحت هذه الخصال الحميدة التي يتمتع بها مواطنو دولة الإمارات العربية المتحدة، الفرصة لنجاح تجربة قيام مجتمع متعدد الثقافات تعيش فيه أقلية من المواطنين في تناغم تام مع وافدين قدموا إلى الدولة من جميع أنحاء العالم للعمل فيها. وسمحت الطبيعة المتميزة لمواطني الإمارات بنجاح هذه التجربة التي لا نظير لها في العديد من دول العالم.

وهذا ما يقودنا إلى العامل الثالث لنجاح وازدهار الدولة والذي يتمثل في مفهوم التسامح الذي يلخِّص روح هذه الدولة في كلمة واحدة. ويشكل هذا المفهوم المركزي جوهر التركيبة الجينية لهذه الدولة ومصدر نجاحها الاقتصادي وقوة تماسك مجتمعها وصداقاتها الدولية. ويشعر جميع سكان الدولة على اختلاف جنسياتهم وأعراقهم وأديانهم بأنهم موضع ترحيب واحترام، ويتعلمون ويطبِّقون أفضل التقنيات والممارسات المعتمدة في الغرب والشرق على حد سواء. وهذا هو العامل الذي يجعل من دولة الإمارات العربية المتحدة مجتمعاً إسلامياً حقيقياً ملتزماً بقيَم الدين الإسلامي الحنيف في أوج عصره الذهبي، حين كان التعلُّم والتميُّز يشكلان القيم المجتمعية الرئيسية في جميع المجالات.

من ناحية أخرى، ازدهرت الجذور التاريخية للدولة بصفتها مركزاً تجارياً إقليمياً رئيسياً في القرن الحادي والعشرين أيضاً، لتجعل منها مركزاً تجارياً عالمياً في العديد من القطاعات، حيث شكلت سهولة إقامة المشاريع والترحيب برؤوس الأموال والشركات الأجنبية، السياسات الاقتصادية المركزية للدولة. كما يستطيع سكان الدولة التمتع بتعددية ثقافية لا تضاهى، وسط مظاهر رفيعة المستوى من التسامح والاحترام لأتباع الديانات الأخرى. وتهتم حكومة الإمارات بجميع سكانها داخل وخارج حدود الدولة. ولن أنسى أبداً مشاعر الاعتزاز والعرفان بالجميل الذي أعرب عنها أصدقائي من اللبنانيين المقيمين في الدولة، حين أمر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في بيروت، بعدم نيل قسط من الراحة حتى تضمن إجلاء جميع سكان الدولة من مواطنين ووافدين من لبنان على نفقة الحكومة، خلال القصف الاسرائيلي عام 2006.

ويتمثل العامل الرابع والأخير لنجاح الدولة اقتصادياً بصفة خاصة، في نظامها الاتحادي الذي أقرَّه آباؤها المؤسسون بهدف السماح بلا مركزية صنع القرار وتطوير استراتيجيات تنموية متعددة وتنشيط روح التنافس والتعاون بين الإمارات، ما أدى إلى نشوء سوق محلية كبيرة وتعزيز روح التنافس في جميع المجالات.

وتفوقت دولة الإمارات العربية المتحدة على العديد من جيرانها في شتى القطاعات الاقتصادية، بدءاً من قطاعي النقل والتجارة، حيث تمتلك أفضل مينائين في المنطقة بأكملها رغم كونها دولة صغيرة، مروراُ بقطاعي الطيران والسياحة، حيث باتت شركات طيرانها وفنادقها محط إعجاب وحسد العالم أجمع، وقطاعي الإعلام والاتصالات اللذين ترسي فيهما الدولة المعايير التي يقتدي بها الآخرون، وصولاً إلى قطاع التعليم الذي باتت مدارسه وجامعاته تستقطب إليه الطلاب من جميع أنحاء المنطقة.

وفي الذكرى الأربعين لقيام دولتنا الحبيبة، لنتوقف لحظات لنتأمل النعم والانجازات التي نتمتع بها اليوم في ظل اتحادنا المجيد. بارك الله تعالى في دولتنا الحبيبة وقادتها ومواطنيها وقاطنيها أجمعين، وأنعم عليها بأعوام مديدة حافلة بالنمو والرخاء والسلام.

* مجيد حميد جعفر، الرئيس التنفيذي لشركة الهلال للبترول وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة.